4 أكتوبر 2017

التلميذة لينا الخرايصي تكتب: “أستاذي…صانع المعجزة”

أصبحت عمياء و صماء بالكامل قبل بلوغ السنتين يسبب التهاب السحايا و الحمى القرمزية. تحول عالمها إلى السواد و الصمت. انعزلت بالكامل عن العالم. و بدأت طباعها تتجه نحو الحيوانية. لم يجد أحد سبيلا لجعلها تفهم. تفهم ما حولها و ماهي عليها و ما ينبغي أن تفعله و تتركه. و ذاك سبب انعزالها و وحشيتها. لم تكن تع. لم تكن تفهم. لم تكن تقدر على ذلك. إذ أنها لم تعلم معنى الصوت و الصورة. لم تعلم… في سن السادسة بدأ والداها يفكران أن تصرفاتها أصبحت خطرا حقيقيا عليها و على الآخرين بعد أن كادت تقتل أختها الرضيعة و تضرم النار في نفسها. الوضع باختصار في عائلتها كان مأساويا. تم طلب أستاذتها كحل أخير. علها تتمكن من تغيير طباع الطفلة الجامحة و المحبوسة أسيرة السكون و الظلمة. لم يكن التعامل مع طفلة مماثلة سهلا أبدا و لكن بالمراوحة بين القسوة و اللين عزمت المعلمة على صنع التغيير. و هنا جاءت المعجزة. في غضون أقل من سنة تحولت الطفلة الهمجية إلى تلميذة مهذبة ذكية تجيد الكتابة و القراءة و التعامل مع الآخرين و العالم الخارجي. بل و تمكنت لاحقا من تعلم الكلام بمساعدة حاسة اللمس. تمكنت من إدراك معنى أن تملك اسما و معنى أن تفكر، تمكنت من معرفة ماهية المشاعر و القيم، تمكنت من معرفة معنى أن تكون إنسانا. برزت الطفلة فيما بعد كناشطة مدنية و كاتبة أمريكية شهيرة باسم “هيلين كلير” و لقبت بالمعجزة. لم تكن المعجزة مقتصرة على التلميذة المجتهدة التي تمكنت من اختراق الظلام و الصمت بل أيضا في المعلمة المجدة المثابرة التي تمكنت من تحويل ذاك الكائن إلى إنسان سعيد و مفيد لمجتمعه. تعترف هيلين بذلك عبر قولها: (كانت كلماتي القليلة قد تبددت، وكان عقلي مغلولاً في الظلام، وجسمي النامي تحكمه دوافع حيوانية، ولم تكن الصدفة هي التي حررت عقلي من قيوده، بل إن ذلك يعود إلى مدرسة موهوبة هي “آن سوليفان”) كما ذكرتها في كتابها “قصة حياتي” بقولها: (كم هي قريبة إلى نفسي (معلمتي) لدرجة أني نادراً ما أفكر في نفسي بمعزل عنها، لا أدري فيما إذا كان استمتاعي بجمال الأشياء من حولي يعود في أغلبه إلى أمر فطري لديّ، أو بسبب تأثيرها في، وأشعر أن وجودها لا يمكن فصله عن وجودي، أفضل ما عندي ينتمي إليها، ولا توجد في داخلي موهبة، أو أمنية، أو متعة إلا أيقظتها بلمستها الحانية) لم تكن هيلين الوحيدة التي تدين بالفضل إلى معلمتها. فكل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، صُنع من قبل معلم. تعلم حمل القلم، تعلم الرقم و الحرف، تعلم الفضيلة و القيمة بفضل معلم. ثم إن البشرية بأسرها تدين للمعلم: فأرسطو معلم و سقراط معلم وكونفيشيوس معلم و بوذا معلم و المسيح عليه السلام معلم وفولتير مفكر التنوير معلم و محمد صلى الله عليه و سلم معلم لم يتم تكريم المعلم في حضارة إلا و ارتقت و لم ينحط في اخرى إلا و تداعت. فمادام العلم سبيل النماء و الازدهار فإن الجسر الذي يحملنا إليه هو المعلم. الشعلة التي ينيرها مهما كانت خافتة رقيقة تظل أفضل من ظلمة الجهل البهيمة. سيجيب الكثيرون من ناكري هذا الجميل أن “المعلم في عصرنا” ما هو إلا “موظف” يؤدي عمله مقابل أجر. بحق الله! هذا بالطبع صحيح! هو يؤدي مهنته التي تصنف لدى كثير من الدول (الشقيقة الجزائر إحداها كمهنة شاقة) مهنة التعليم تستحق الاحترام لا فقط لعائداتها على الإنسان الفرد و المجتمع بل أيضا لمشقتها و مدى التضحيات التي يقدمها المدرس. نعم، إنها المعجزة تلك التي يحققها العلم…
و إنه المعلم ذاك الذي يمنح العلم. فكل الامتنان و الشكر للصانع المعجزة.

  • facebook
  • googleplus
  • twitter
  • linkedin
  • linkedin

تلميذ , 17 سنة , من مؤسسي موقع ليسينا و مدون ،مصمم جرافيكي ،مصور فوتوغرافي و ناشط بعدد من المنظمات . instagram : @rayen_bouajaja

  • facebook
  • linkedIn
  • youtube
  • instagram